ساسي سالم الحاج

79

نقد الخطاب الاستشراقي

المستشرقين . ويرى في روايتها بوادر ما ستسفر عنه تصرفات محمد في قادم الأيام . وهكذا تعيد حليمة رضيعها إلى أمه وتقص عليها ما حصل له في ربوعها « 1 » . ويسرد « موير » كيفية وفاة آمنة بالأبواء بين يثرب ومكة وكان عمر الرسول آنذاك ست سنوات . ويعلل « وات » حب الرسول للعزلة وكثرة تأملاته إلى فقدان والدته التي كان يحبها حبّا جمّا والتي حزن على وفاتها حزنا كبيرا . ومنذ هذه اللحظة كان شعوره باليتم قويّا حتى إن القرآن قد أشار إلى ذلك وعدّد اللّه عليه إحدى نعمه عندما قال له أَ لَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوى ؟ . ويشير « موير » في هذا السياق إلى رواية الواقدي التي قال فيها : « إن الرسول عندما كان ذاهبا من يثرب إلى الحديبيّة زار قبر أمّه ، فاسترحم عليها ، ثم بكى على قبرها حتى أبكى أصحابه المحيطين به ، وعندما استفسروا عن صاحب القبر ، أبلغهم أنه قبر أمه ، وأن اللّه سمح له بزيارته ، ولكنه لم يغفر لها . . . الخ » . وناقش « موير » هذه الحادثة من جميع جوانبها واستخلص منها أن معتقدات محمد لا تسمح بالغفران إلى أقرب الناس إليه ما دام قد مات على الشرك « 2 » . وهكذا كفل الرسول جدّه عبد المطلب بعد وفاة والدته ، وكان جده يعامله معاملة خاصة تفوق معاملة أبنائه . وكان يوضع لعبد المطلب فراش في ظل الكعبة ، فكان بنوه يجلسون حول فراشه ذلك حتى يخرج إليه ، لا يجلس عليه أحد من بنيه إجلالا له ، فكان رسول اللّه يأتي وهو غلام فيجلس عليه ، فيأخذه أعمامه ليؤخّروه عنه ، فيقول عبد المطلب : دعوا ابني ، فو اللّه إن له لشأنا ، ثم يجلسه معه على الفراش ، ويمسح ظهره بيده ، ويسره ما يراه يصنع . واستمر الرسول في رعاية جدّه إلى أن بلغ الثامنة من عمره ، وفي هذه الأثناء توفي جده فحزن عليه هو الآخر حزنا شديدا وشوهد وهو يذرف الدموع الغزار عليه . وهكذا تلقى الرسول جرحا غائرا لم يندمل لفقدان جده . وتكفل برعايته بعدئذ عمّه أبو طالب بوصاية من والده عبد المطلب الذي كان يعامله معاملة رقيقة لطيفة حتى تعدّى الرسول مرحلة الطفولة « 3 » . ويتعرض « موير » إلى واقعة اصطحاب أبي طالب للرسول في رحلته إلى الشام ،

--> ( 1 ) Ibid , op . cit , p . 17 . ( 2 ) Ibid , op . cit , p . 24 - 25 . ( 3 ) Ibid , op . cit , p . 28 .